امل محجوب تكتب .. عطبرة.. حين يفيق الميناء من غفوة الفوضى

ليس كل الغبار يُكنس، وليس كل الضجيج يُحتمل. فعندما يتحول الميناء البري، تلك البوابة الأولى لعطبرة، إلى ساحة مبعثرة تتقاتل فيها المركبات على رصيف، وتتكدس فيها الأجساد تحت شمس لا ترحم، يدرك المرء أن المدينة قد نسيت وجهها.
ولذلك جاءت الحملة. حملة لم تكن مجرد جرارات ترفع الحديد الصدئ، بل كانت يداً تمتد لتعيد للميناء هيبته. ألف مركبة أزيلت من حول الميناء البري. ألف قصة عشوائية، ألف طريق ملتوي، ألف محاولة للقفز على القانون. ذهبت في صمت، وتركت خلفها سؤالاً واحداً: هل استيقظت عطبرة؟
*أكد* مدير غرفة البصات السفرية هارون عبد الماجد أن الميناء ليس موقفاً، بل واجهة. والواجهة لا تُلطخ بالفوضى. صدق الرجل. فالمسافر القادم من أقصى الشرق أو من عمق الغرب، أول ما يصطدم به ليس كرم أهل المدينة، بل صراخ السماسرة وفوضى المركبات التي تركن حيث تشاء. كيف نطلب من الميناء أن يكون حضارياً ورسومه قفزت إلى ألفي جنيه، بينما ظله مفقود وماؤه غائب وحماماته لا تكفي لصف واحد؟
إن الشحن خارج الميناء جريمة لا تقل عن تهريب الأرواح. جريمة تسرق الضرائب، وتغتال التأمين، وترمي بالراكب في حضن المجهول. من أمن نفسه ليصعد بصاً مرخصاً، فإذا به يجد نفسه في مركبة “حايمة” بلا ظل قانون يحميها. أي منطق هذا؟
وهنا لا بد من الوقوف عند دور غرفة البصات السفرية بعطبرة. أشيد بدور الغرفة في هذه الحملة، فهي لم تكتفِ بالمشاهدة والشكوى، بل كانت شريكاً حقياً في صناعة القرار ودعمه. موقفها الرافض للشحن العشوائي، ودعمها المباشر للمحلية والشرطة، هو موقف من يغار على مهنته ويغار على مدينته. الغرفة التي تمثل القطاع المنظم وقفت بصلابة لتقول: لا مجال للفوضى على حساب سلامة الركاب وحقوق الشركات الملتزمة. هذا هو الدور الذي ننتظره من مؤسساتنا، أن تكون جزءاً من الحل لا شاهداً على الداء.
إزالة الألف مركبة ليست انتصاراً، بل إنذاراً. إنذار لكل من ظن أن المال يصنع شارعاً، وأن النفوذ يبني موقفاً. الميناء البري الذي أسسه أحمد الشايقي “زادنا” لم يُشيد ليكون سوقاً، بل ليكون عهداً بين المدينة وأبنائها: نستقبلكم كما يليق بكم.
لكن دعونا نكون صادقين مع أنفسنا. عطبرة جربت الغضب من قبل. غضبت فكنست، ثم نامت فعادت الفوضى أشد ضراوة. المشكلة لم تكن يوماً في الجرارات، بل في الإرادة. الإرادة التي تغيب عندما يعلو صوت الجباية على صوت الخدمة. كيف نبرر رفع الرسوم ونحن نطفئ المكيفات؟ كيف نطالب بالنظام ونترك ستة حمامات لخمسة آلاف روح؟
الحملة اليوم مدعومة بوالي، ومدير تنفيذي، ورجال شرطة، وغرفة بصات واعية. هذا جيد. لكن المدن لا تُبنى بالحملات، بل بالعادات. والعادات لا تصنعها العصا وحدها، بل يصنعها العدل. عدل أن يجد السائق موقفاً منظماً يستوعبه، فيترك الشارع طوعاً. عدل أن يدفع الراكب ألفي جنيه فيجد تكييفاً وماءً بارداً وبوابة إلكترونية لا تجبره على حمل الكاش في جيبه المثقوب.
*الخلاصة*
يا أهل عطبرة، المعركة لم تنتهِ برفع المركبات. المعركة الحقيقية بدأت الآن. معركة مع النفس التي تقبل بالفوضى إذا جلبت مالاً سريعاً. معركة مع العقلية التي ترى في المرفق العام “غنيمة” لا “أمانة”.
الميناء البري يجب أن يعود صرحاً قبل أن يكون صندوقاً. يجب أن يعود كما كان: مكاناً يتنفس فيه المسافر الصعداء قبل أن يودع مدينته. مكاناً يقول للقادم: “أهلاً بك في عطبرة، مدينة الحديد والنار، مدينة النظام”.
فإما أن نستمر في الكنس كل شهر، ونكتب كل مرة عن “عودة الفوضى”. وإما أن نزرع النظام مرة واحدة، فنجني هيبة تدوم.
والاختيار، كما كان دائماً، بأيدينا.



